مختارات مترجمة من رسائل راشل كارسون
لطالما قرأنا رسائل المحبين والعشاق، بل إن الرسائل صنفت كنوع أدبي مستقل له رواده. ولكن وإن كانت رسائل الصداقة لا تمتلك شهرة رسائل الحب؛ فإنها ولا بد تمتلك من المشاعر والصدق ما قد يضاهي رسائل العشق.
راشل كارسون؛ عالمة الأحياء البحرية وكاتبة علمية أمريكية وصاحبة كتاب "الربيع الصامت" والمقلدة وسام الحرية الرئاسي على إسهاماتها. ولكن خلف كل هذا النبوغ العلمي يقع قلب حساس وتواق للجمال. في أواخر1952 وقبل انتقال راشل إلى جزيرة ساوث بورت مع والدتها؛ أرسلت ربة منزل تدعى دورثي فريمان رسالة إلى راشل ترحب بها في الجزيرة. من هنا كانت شرارة صداقة رائعة وعظيمة بين راشل ودورثي تبادلتا فيها الرسائل نشرت لاحقا في كتاب "رسائل راشل كارسون ودورثي فريمان" وهنا مختارات مترجمة من رسائل راشل:

"إني أعتقد بأنه لا أحد يعرف ماهية عمل الكاتب (حتى الكاتب نفسه) ولا أحد يعرف على ماذا تقتات روحه بالذات. على إني متأكدة من شيء واحدة؛ إنه من الضروري أن أحظى بإنسان يكرس حياته لأجلي، وأن يمتلك القدرة والعمق الكافيان لمشاركتي كل المآسي التي تحف بالكتابة وأن يستطيع احتواء النار التي قد توقد في قلبي، والقلق الذي يلف روحي وجسدي وحتى الكآبة السوداء التي قد تعبرني على حين غرة. شخص يهتم بي وبما أكتب. إني لم أشعر بالحميمية مع أشخاص خبروا معنى الكتابة، لكني شعرتها مع أناس لم يفهموا مطلقا معنى أن تكون كاتبا! هنا كانت المفارقة. بعدها، أتيت أنتِ، عزيزتي، أتيت لحياتي. عرفت حينها ومنذ المرة الأولى التي رأيتك فيها أني أرغب في رؤيتك أكثر وأكثر. لقد أحببتك قبل حتى أن تغادري ساوث بورت. بعد فترة وجيزة من تراسلنا أحسست بنفسي مقبلة على الفكر والإبداع، طالما أنت صديقتي. يوما بعد يوم، كل ما لمسته منك هو الرضى وكان أجمل بكثير مما كنت أحلم. إني أستمتع بكل لحظة وأنا أفكر كيف يمكن أن يختبأ شيء بهذا الجمال بعد فترة سوداء وصعبة من حياتي.
لقد تساءلت إن كنت قد أوضحت الأمر من قبل أم لا، فإنه إلى جانب كل المتع العقلية والفكرية التي حظيت بها على مدار سني عمري؛ من الواضح لدي كما هو لديك أن ما أمر به تجربة محمومة بالعاطفة. وإن لم أكن قد أوضحت ذلك، فإني أثق بأن قلبك يعلم. لقد كنت أفكر اليوم بكل ما أحمل لك من عرفان، كم من الجميل هو وجودك الوفي والمستمر. ليلا ونهارا، بإخلاص واهتمام. وبدون هذا الوجود، لا أعلم صدقا ما الذي قد أعيشه في أيامي السوداء الكثيرة.
إن إحدى الأمور التي أدهشتني فيك ومنذ بداية تعارفنا هي حياتك العائلية الدافئة. وأعلم.. لم يكن الأمر متعلقا بافتقادي للحب. فلا يمكن لأي أحد كان ألا يلمس فيك الروح المخلصة المتفانية حينما يقضي قليلا من الوقت معك ومع ستان. وإني أتساءل إن كنت، بعد كل ما تمنحينه من حب، لم تصبحي أكثر تقبلا للإخلاص والوفاء الذي قدمته أنا، الوافدة الجديدة على حياتك.
لقد كتبت لي بشكل أخاذ، قبل عدة أسابيع، حول كيف أن قدرة المرء على الحب والعطاء تزداد مع التدريب عليها؛ لذا ربما كلما تلقينا حبا أكثر نحتاج أكثر وبهذا لا نكتفي من الحب أبدا. إني أيقن بان لنا نفوسا بالغة اللطف وذلك لعدة أسباب منها أننا نحتاج ما نعنيه لبعضنا وهذا نابع مما نمتلكه من حب في قلوبنا. ولكن، كلما فكرت أكثر بما قلناه لبعضنا، شعرت بأنه سيبقى شيء خاص ولا يمكن التعبير عنه بالكلمات- بعيدا عن كل الأسباب. يقول هنري بستون في المراجعة التي سأرسلها لك اليوم" الشمس.. أعظم بكثير من كتلة أيونات.. إنها رائعة وغامضة.. قوية وإلهية. إنها حتما، الحياة ورمز الحياة" إن تحليلنا كان جميلا ومريحا ومرضيا، ولكنه لن يكتمل قط- لا يشمل ذلك الروعة والغموض.
****
عزيزتي،
بمناسبة عيد مولدك، هذا ما سأخبرك به –وكأنك لا تعلمين- كم أني أحبك وبقوة. لقد احتللت مكانك في حياتي كما لم يفعل أحد من قبل. ومن الغريب أن أشعر الآن كيف كان مكانك فارغا طوال هذي السنين. ربما لا ينبغي علينا أن نندم على تلك السنين- عوضا عن ذلك، علينا أن نمنح أنفسنا فرصة تقدير هذه الصداقة التي تملأ حياتينا بالرضى والجمال في أيامنا هذه – حيث نكون في أمس الحاجة لها!
هل تعلمين كم هو من الرائع ان تكوني موجودة في حياتي؟ أتمنى أنك تعرفين.
أحبكِ.
راشل "
*****
"عزيزتي،
هذا قبس من صباحنا في نيوجن، شيء أستطيع كتابته بشكل أفضل مما قد أقوله. بالنسبة لي، لقد كانت من أجمل ساعات الصيف التي قضيتها؛ إن تفاصيلنا عالقة في ذاكرتي؛ زرقة سماء أيلول، صوت الريح وهي تحتك بالتنوب، والأمواج تصطدم بالصخور. النوارس منهمكة في بحثها عن الطعام والعتمة التي تغلف المكان شيئا فشيئا. المشاهد البعيدة لرأس جريفثس وتود. كلها محفورة في مخيلتي رغم أني أبصرتها بين الضباب. ولكن أكثر ما أتذكره هو شكل الفراشات وهي تتجه نحو الغرب بأجنحتها المنتظمة كأنما تدفعها قوة ما. تكلمنا قليلا عن هجرة الفراشات وحياتهم. هل يعودون؟ لقد اعتقدنا بأنهم لا يفعلون على الأقل كانت الرحلة خاتمة حيواتهم.
اتضح لي بعدما انتهى اليوم، أن المشهد كان مبهجا، وأننا لم نشعر بالحزن بينما تحدثنا عن حقيقة أنه الفراشات لا تعود. وكما تصل حياة المخلوقات إلى النهاية، تقبلنا فكرة أن النهاية حتمية.
بالنسبة للفراشات، فإن حياتها بضعة أشهر. بالنسبة لنا، فإن الأمر مجهول ومبهم. ولكن الفكرة متشابهة؛ عندما تسير دورة الحياة بطبيعتها وتلقائيتها فلسنا نستاء من أن الحياة قد وصلت لنهايتها.
لقد وجدت سعادة عميقة في تأمل حيوات الفراشات البراقة تلك. وظننت أنها قد تمنحك سعادة كذلك. شكرا على هذا الصباح.
راشل. "























Comments