top of page

ماذا يعني سارتر بالأدب الملتزم؟

May 5, 2018
10 min read

ماذا يعني سارتر بالأدب الملتزم؟

بقلم: جيمس كارتليدج، جامعة مانشستر متروبوليتان، 2014

ترجمة: شهد إسماعيل حسين

"يعلم الكاتب الملتزم أنّ الكلمات أفعال. يعلم أن الكشف يعني التغيير وأن المرء يكشف فقط عبر تخطيطه للتغيير." أن نسأل ماذا قصد سارتر عند قوله "أدب ملتزم" يعني أن نسأل ماذا يعني "الأدب" بالنسبة له، أو لنكون أكثر دقة، ماذا يعني النثر. وبدلا من التقصي عن التوجهات الكاتب السياسية، يحاجج سارتر بأن طبيعة النثر ذاتها تنطوي على الالتزام. فالنثر ملتزم متلاحم بوصفه منتجا للحرية الإنسانية. وهذا لأن "الكاتب يتعامل مع المعاني" (ما الأدب، ص4) على عكس الشاعر الذي يتعامل مع الكلمات بوصفها تمثيلا للأشياء كما يتعامل الرسام من الألوان أو الموسيقي مع الأصوات وكما يتعامل الفنانون الآخرون مع الأوساط الأخرى للتعبير الفني. ولأن الأدب يتعامل مع معاني الكلمات، يقول سارتر، فإنه يفرق نفسه بنفسه عن سائر الأوساط الفنية بكونه منبثقا عن الحرية الإنسانية وملتزما معها. وبتعامل الأدب مع الكلمات كمعان فإنه يخدم الحرية الإنسانية عبر كشف العالم لنا وبالتالي إحداث التغيير. ويمكن لهذا التغيير أن يلزمنا بتحمل مسؤولية أفعالنا، أو الصمود على مواقفنا مع الوعي الكامل بهذه المواقف. سأبدأ بطرح ما كتبه سارتر عن النثر ووظيفته في الكشف عن العالم للقارىء وبمناداته بالحرية الإنسانية. ومن هنا، سأنتقل إلى رؤية سارتر لإمكانية كتابة رواية عنصرية ناجحة ورواية معادية للسامية ناجحة وذلك لتوضيح مفهوم سارتر للنثر. سنعتبر حينها أن الرواية الجيدة هي "احتياج وفعل إيمان" (ما الأدب،ص.47) وسيتم توضيح ذلك عبر عمل جورج أورويل "مزرعة الحيوان" وكإيضاح أخير بعد تفسير رؤية سارتر للأدب الملتزم سنناقش تفريقه بين الشعر والنثر لنفهم السبب وراء عدم مقدرة الشعر على أن يكون أدبا ملتزما كالنثر رغم أن كلاهما يتعامل مع الكلمات.

"إن النثر في جوهره نفعي أو ذرائعي. ويمكنني القول بأن كاتب النثر هو شخص ينتفع بالكلمات" (ما الأدب، ص. 11) فالبنسبة لسارتر، النثر دوما سياسي وملتزم ويخدم قضية ما بغض النظر عن النوايا الأصلية للكاتب. ويعود السبب في ذلك لطبيعة النثر ذاته لا بسبب توجهات الكاتب. وحتى إن كتب الكاتب عملا بلا توجه سياسي فهذا يعد توجها سياسيا بحد ذاته: "أن يكون المرء صامتا لا يعني أن يكون أبلها، فالصمت يعني رفض التكلم ويعني أيضا استمرار التكلم" (ما الأدب، ص.15) فهنا يصر سارتر على أن كاتب النثر هو "متكلم". يخاطب الكاتب حرية القراء عبر اختياره محادثتهم مباشرة كشخص حر. ويمكن أن نلاحظ أن الشعر يعمل بذات الكيفية عبر استخدام اللغة كوسيط ولكن سارتر يصر على أنه لا يشابه وظيفة النثر وسنبحث في أسباب ذلك لاحقا. إن استخدام الكلمات معتمد بشكل أساسي على معانيها وذلك عبر معاملة الكلمات "لا كأشياء بل كأشياء تفرق بين الأشياء" (ما الأدب، ص. 11) فالكاتب يكشف العالم لنا أو على الأقل يكشف لنا أوجها محددة منه. يغير هذا الكشف العالم عبر إيضاح حقيقة وجوده ويصف لنا سارتر هذه الظاهرة:

إن سميت أو وصفت سلوكا ما لفرد فإنه سيرى نفسه. وبما أنك في ذات الوقت تصف السلوك للآخرين، فسيعرف الفرد أنه مرئي في تلك اللحظة التي يرى فيها نفسه [...] وبعدها، كيف يمكنك أن تتوقع تصرفه على ذات المنوال؟ فهو إما أن يصر على سلوكه بكامل وعيه وإدراكه وعلمه أو أن يتوقف عن سلوكه ذاك. ولهذا، عبر المخاطبة، أكشف الموقف مع نية عميقة بتغييره. أكشفه لنفسي وللآخرين كي نغيره. (ما الأدب، ص. 13-14)

فإن كشف تصرف الأفراد لهم عبر مخاطبتهم يجعلهم أمام خيارين اثنين. يمكنهم التوقف عن تصرفهم ذاك وأن يتحملوا المسؤولية أو أن يتابعوا تصرفهم بكامل وعيهم وإدراكهم بما يقومون به. وبكلا الحالين لن يعود التصرف كسابق عهده أبدا:"إن التكلم فعل؛ فأي شيء يسميه المرء لا يعود كما هو أبدا، إنه يفقد براءته." (ما الأدب، ص.13) إن هذا التغير ممكن إن كان مؤسسا على حرية المتخاطبين ففي الحالين هنالك خيار قد أخذ به. فالمتكلم قد اختار أن يكشف وهو مدرك أن الكشف تغيير، فقد اختار الكشف واختار التغيير. أما الفرد الذي هو موضوع الكشف فهو بصدد الاختيار بين قبول المعلومة والتغيير أو الإبقاء على ما هو عليه. وهذا ما يقوله سارتر بخصوص وظيفة الأدب جوهريا، وهو ما يجب على القارئ إدراكه:

"يدرك الكاتب أنه سيتكبد عناء كتابة حرية قرائه. وبما أن القارئ يدرك أن فتحه للكتاب يعني حرية الكاتب وأن العمل الفني […] هو فعل ثقة وإيمان بحرية البشر" (ما الأدب، ص.47)

يولد الأدب من رحم حرية الكاتب ويكشف العالم للقارئ وذلك كله مبني على حرية القارئ. وبما أن الأدب قائم على الحرية الإنسانية فإن ذلك يستلزم التحامه معها والتزامه بقاضاياها. وصحيح أن الأدب بالنسبة للبعض وسيلة لكسب العيش، إلا أن سارتر له رأي آخر، فيقول إن للأدب مضامين أخرى عميقة ولا مهرب منها: "الكتابة رغبة ملحة للحرية، ما إن تبدأ، فستكمل كرها أو طوعا" (ما الأدب، ص. 49) وينتج عن ذلك دلالة مثيرة للانتباه، يمكن لنا أن نفهم أكثر عبر أخذ مثال الرواية العنصرية والرواية المعادية للسامية ورواية جورج أورويل مزرعة الحيوان.

فإن كان الأدب ينادي بالحرية الإنسانية فنحن بصدد استنتاج مهم ومثير. فوفقا لمفهوم سارتر للأدب، سيكون من المستحيل كتابة رواية تتخذ موقفا مناهضا للحرية الإنسانية أو تدعو لاضطهاد الإنسان أو موقفا يدعم نظاما سياسيا غير ديمقراطي لأن الكاتب ككاتب يجب أن يكون ملتزما للحرية الإنسانية. "إن فن النثر مرتبط بالنظام السياسي الوحيد الذي يكون فيه للنثر معنى، وهو النظام الديمقراطي" (ما الأدب، ص.48-49) وبما أن الكاتب هو "فرد حر يخطب أفرادا أحرار" (ما الأدب، ص.48) فإن هذا الأمر لا يمكن إتمامه سوى تحت مظلة نظام ديمقراطي ومجتمع حر. فالكاتب، ككاتب، لا يستطيع أن ينادي بأي شيء يناهض حرية الإنسان. ومن هذا المنطلق سيفكر المرء بأنه من المستحيل لكاتب أن يكتب رواية جيدة وناجحة ولكن عنصرية. ورغم ذلك، قد لا يكون هذا هو الحال، يعقب سارتر:

" يمكن للمرء تخيل رواية جيدة كتبها أمريكي زنجي حتى ولو كان كره البيض يطفح من كلماتها، لأن تلك هي حرية عرقه التي يطالب بها" (ما الأدب، ص.47)

يمكن أن تكتب رواية جيدة يعبر بها الكاتب عن كرهه للبيض في كل صفحة فيها لأن هذا الكره ليس مبنيا بلا أساس إنما هو قائم على أساس أن البيض يضطهدون شعبه. فعبر هذا الكره تسمع صرخات الكاتب مناديا بحرية شعبه. وعبر كشفه لي عن كرهه للعرق الأبيض وعن أسباب هذا الحقد، وكوني واحدا من العرق الأبيض "لن أتحمل تصنيف نفسي من ضمن العرق الذي يمارس الاضطهاد على غيره" (ما الأدب، ص. 47) وشعوري ذاك سليزمني بأن أفكر بالحرية، إن صحت تسميتها، حرية كل البشر وبالتالي المنادة بحرية العرق الأسود من اضطهاد العرق الأبيض.

ومثل هذه البطولات الأدبية تكاد تكون مستحيلة وفقا لرؤية سارتر. فعلى سبيل المثال، "لا يمكن لأحد أن يفكر لوهلة في إمكانية كتابة رواية جيدة في معاداة السامية" (ما الأدب، ص. 47) وفعل ذلك يتضمن تناقضا في المفاهيم. فالكاتب عبر اختيار الكتابة قد تبنى حرفة أساسها الحرية الإنسانية ولا تكون بغير هذا الأساس. عندها تمسي كتابة رواية في مدح معاداة السامية تناقضا مع الحرية الإنسانية لأن الرواية هنا تدعو لاضطهاد اليهود. ينادي الأدب بحريتي وإن التحمت معه التحمت مع حريتي وسأدرك حينها أني لست الوحيد الحر وأن حريتي " مرتبطة ارتباطا وثيقا مع حرية باقي البشر" (ما الأدب. ص. 48) ولهذا " لا أستطيع استخدام الأدب للمطالبة باستعباد غيري من البشر" (ما الأدب. ص. 48) ويختم سارتر طرحه بمثالين يؤكدان على أنه بغض النظر عن الموضوع والهدف من الكتابة فإن الكاتب إن أراد النجاح عليه أن يوجه نفسه مباشرة نحو موضوع واحد: الحرية. لقد رأينا إلى الآن كيف يمكن للأدب أن ينادي بحرية الإنسان بالطريقة المعاكسة وسنناقش تاليا مثالا موفقا.

عبر استخدام الأدب في المناداة بحرية الإنسان، يكشف الكاتب المواقف للقارئ مع نيته لتغير هذه المواقف. وهذا يضع القارئ أمام تحد كبير فهو مجبر على التفكير وفق الموقف المكتوب في العمل. وقد يجبر القارئ على تحمل المسؤولية أو التحرك أو إعادة النظر في قيمه ومبادئه. وعلى الرغم من أن الكاتب ينادي دوما بالحرية الإنسانية فإن هذا النداء لا يلبى دوما: سيتخذ القراء مواقف مختلفة وسيشكلون آراء مختلفة حول الكتاب الواحد. إضافة لذلك فإنه عادة ما يحمل الكتاب رسائل متعددة لا رسالة واحدة. وليس من الضروري أن يكون الكشف الذي يقوم به الكاتب والرسالة التي يحملها العمل واضحين وظاهرين تماما إنما غالبا ما تتوزع رسالة العمل على أكثر من نطاق. وحقيقة، كاتب النثر المجيد لا يحتاج أن يوضح ويظهر رسالته. فعلى سبيل المثال، كتب جورج أورويل بوضوح قائلا: "إن كل سطر كتبته منذ العام 1936 قد كتب، بشكل مباشر أو غير مباشر، ضد الأنظمة الشمولية الديكتاتورية ودعما للديمقراطية المجتمعية، كما أفهم الأمر"

ويقدم كريستوفر هيتشنز ملاحظة بهذا الصدد:

""يمكنك أن تقرأه (جورج أورويل) باستفاضة […] فهو بالكاد يذكر أي شيء عن الفاشية، بالكاد يكتب جملة واحدة يوضح فيها لم علينا أن نحارب الفاشية. فمن المسلم به عنده أنه حالما نظرنا إلى بندقية أو مدفع هتلر وموسوليني وفرانكو والفاشية والنازية فإننا لا نحتاج لأحد يخبرنا ما الخطأ في تبني هذه الأيدولوجيات"

إن مزرعة الحيوان لأورويل هي مثال بسيط وجيد عن (كشف موقف) عبر تقديم صورة رقيقة ولكنها قوية. وهي كذلك مثال على أن رسالة العمل قد لا تكون ظاهرة مباشرة. فلا يذكر في الرواية أي اسم لأي أيدولوجية سياسية تمثلها الشخصيات. ولا يذكر صراحة أي من الأيدولوجيات السياسية جيد وأيها سيء. عوضا عن ذلك، يرينا الكاتب عبر أفعال الخنازير وعبر جودة الكتابة كم هي خطيرة تلك الأفعال وتلك الأفكار، على الرغم من أنه لم يفرض أو يصرح بشعور ما تجاهها. وبما أن الأدب ينادي بحرية الإنسان مستعينا بجماليات الكتابة، فنحن نعلم أنه في النهاية قد شاهدنا الخنازير المضطهِدين قد بيعوا للإنسان و "من المستحيل القول من منهم تحديدا" (في إشارة إلى أن جورج أورويل لا يصرح مباشرة باسم الأيدولوجية السياسية المقصودة) ولكن الخنازير قد باعوا ضميرهم وأصبحوا كل ما يكرهه الحيوانات. تسبب الكلمات التغيير عبر إيضاح المواقف ونية الكاتب نفسه للتغيير. وعلى أي حال، لا يعتبر كشف المواقف كافيا لإحداث التغيير: لا يمكن للكاتب أن يكتبوا لأنفسهم فقط. فمزرعة الحيوان مثال جيد على التجربة الشخصية لمفهوم دور القارئ عند أدب سارتر الملتزم. فقد قرأت مزرعة الحيوان عندما كنت يافعا وردة فعلي الوحيدة كانت أنها قصة جيدة عن الخنازير. وبعد إعادة النظر فيها، تضاعفت أفكاري وردود فعلي بشكل أو بآخر. فعند قراءة رواية "ترافقنا قوى لطيفة وتدعمنا من الصفحة الأولى وحتى النهاية. وهذا لا يعني أننا نفهم رسائل الفنان بسهولة" (ما الأدب، ص. 40) إن هذا يعني أن القراء المختلفين سينتجون ردود فعل مختلفة نحو الكتاب، فربما يفشل بعض القراء في فهم رسالة الكاتب. إن دور القارئ لا يقتصر استقبال الكلمات وإدراكها فحسب ولكن يبدو أن دوره أشبه "بتركيب الإدراك والإبداع" (ما الأدب. ص.31) وينتج عن ذلك ظاهرة أن يأخذ القارئ من الرواية بقدر ما يود أن يضع فيها.

"إن الخلق والكشف الذي من خلاله يكتشف القارئ يجب أن يكون مشاركة خيالية في الحدث؛ بعبارة أخرى، كلما كانت مشاركته قابلة للتغيير دبت فيها الحياة أكثر" (ما الأدب. ص. 45)

فالرواية الملتزمة الناجحة تنبع من منادتها بالحرية الإنسانية "ميثاق الكرم والمروءة بين الكاتب والقارئ" (ما الأدب، ص. 41) وبعقد مثل هذا الميثاق، لا تتطلب الرواية الجيدة مشاركة فاعلة من القارئ فحسب إنما تحتاج إيمانا وثقة منه كذلك. فالرواية الجيدة عملية تبادلية بين الكاتب والقارئ، "احتياج وفعل إيمان" (ما الأدب. ص. 47) احتياجا من ناحية أن تكون مرغوبة من القارئ وأن تشكل تحديا له أيضا. وهي فعل إيمان بالنسبة للقارئ والكاتب. فالكاتب يؤمن بأن القارئ سيستخدم حريته ليلتحم مع النص بقوة. والقارئ يؤمن بأن الكاتب سينادي بحريته. إن قراءة الكتاب في المقام الأول تعبير عن الثقة.

لقد رأينا الآن كيف يرى سارتر الأدب نابعا من حرية الكاتب ومناديا بحرية القارئ ومؤسسا على الحرية الإنسانية. وعلى أي حال، يمكن أن نلاحظ أن سارتر لم يضم الشعر في حديثه عن الأدب واختار التركيز على النثر. يتعامل الشعر مع الكلمات المكتوبة أيضا وينبع من رغبة الشاعر بالكتابة ورغبته بأن يُقرأ، فهل يمكن القول بأن الشعر ملتزم ومؤسس على الحرية الإنسانية بشكل أو بآخر؟ ويجيب سارتر على هذا السؤال بلا. ولتوضيح رؤية سارتر دعونا ننظر كيف فرق سارتر بين النثر وباقي الصنوف الفنية.

يتكون الأدب من كلمات مكتوبة. وبما أن الأدب ملتزم، رد سارتر على نقاده الذين جادلوه في إمكانية التزام الشعر والرسم والموسيقى:

"لا […] ولم قد نرغب في ذلك؟ […] إن أولئك الذين يريدون الكشف عن سخافة نظرية أدبية عبر القول بأنه غير قابلة للتطبيق على الموسيقى يتوجب عليهم أن يثبتوا أن الفنون متوازية" (ما الأدب. ص. 1)

ونرى مباشرة أن سارتر يريد التفريق بين الأدب والفنون الأخرى ويوضح لاحقا رأيه "الملاحظات، الألوان والأشكال ليست علامات" لأنها "لا تدل على أي شيء خارج عن ذواتها" (ما الأدب. ص. 2) فاللوحة أو القطعة الموسيقية يمكن أن تجعلك سعيدا أو حزينا ولكنه لا تمثل بذاتها السعادة أو الحزن ولا تلهمك بشكل محدد السعادة أو الحزن. إن الألوان المتنوعة التي تلون لوجة جصية على حائط كنيسة لا تعني بذاتها السعادة أو الحزن. إنما تعني مشاعر الرسام التي عبر عنها باستخدام الألوان. فاللون في ذاته لا يحمل معنىً وحين تترتب الألوان بطريقة ما في اللوحة فإن معناها سيكون غامضا لأن الألوان والأشكال لا تحمل دلالات خارجية. وباستخدام لوحة صلب المسيح لتينتورتو كمثال، يكتب سارتر:

"إن تينتورتو لم يختر ذلك الشق الأصفر السماء فوق غولوثا ليبين الكرب والمأساة أو ليوحي إلى ذلك. إنه مأساوي والسماء صفراء في ذات الوقت […] إنه الكرب […] ولا تعود اللوحة مقروءة أكثر" (ما الأدب. ص.3)

بالنسبة لسارتر، فإن الرسم (وباقي أنواع الفنون ما عدا الأدب) لا يحمل معنى في ذاته إنما يمثل معنى. إن مشاعر الفنان لا يمكن تمييزها ورغم أنه لا يوجد معنى محدد ووحيد، " اللوحة والقطعة الموسيقية" لها معنى، ولكن هذا المعنى لا يمكن ترجمته إلى تعبيرات أخرى […] لأنهما (القطعة الموسيقية واللوحة) تعبير لا وصف" لقد رأينا كيف يفرق سارتر بين الأدب والفنون الأخرى التي لا تتعامل مع الكلمات، ولكن السؤال يظل يحوم حول الشعر- يتعامل الشعراء مع الكلمات أيضا.. فهل هم ملتزمون؟

"الحقيقة أن كلا كاتب النثر وكاتب الشعر يكتبان. ولكن لا شيء مشترك بين هذين الفعلين، سوى حركة اليد التي تتبع خط الأحرف على الورقة" (ما الأدب. ص. 11)

يفرق سارتر بين الشعر والنثر لأن الشاعر يعامل الكلمات بشكل مختلف عن كاتب النثر وبالتالي فهو يستعمل الكلمات بطريقة مختلفة. فالشاعر "يعتمد على الكلمات، كما يفعل الرسام مع الألوان والموسيقي مع الأصوات" (ما الأدب. ص.6) إنه يرى الكلمات بنفس الطريقة التي يرى فيها الرسام الألوان والموسيقي الأصوات "كأشياء بكل معنى الكلمة" (ما الأدب. ص.2) إن اهتمام الكاتب الرئيس بالكلمة مرتبط بمعناها، بينما يهتم الشاعر "بإيقاع الكلمة وطولها وانتهائها بعلامات تذكير أو تأنيث وشكلها بصريا" (ما الأدب.ص.7) ويمكن أن يكون اهتمامه بهذه الأمور قبل اهتمامه بمعناها. لا يستخدم الشاعر الكلمة ليدلل بل ليعبر- إنه "يرسم" بالكلمات. وبسبب ذلك، سيظل معنى هذه الكلمات غامضا كما هو الحال في معنى اللوحة. فعمل الشاعر لا يمكن أن يعتبر كشفا لمواقف يسبب التغيير أو يخطط له. وهذا يعني أن الشعراء ليسوا ملتزمين.

وفقا لما يعنيه سارتر بالأدب الملتزم. بالقياس على طبيعة كتابة النثر والقراءة،

"يمكننا أن نخلص إلى أن الكاتب قد اختار الكشف عن العالم وتحديدا الكشف عن الإنسان للإنسان الآخر ليتحمل الآخر المسؤولية الكاملة تجاه ما تم كشفه" (ما الأدب.ص.15)

إن النثر نابع من حرية الكاتب ومناد بحرية القارئ. وهذا لأن الكاتب يتعامل حصرا مع معاني الكلمات مستخدما إياها لكشف المواقف للقارئ آملا بتغييرها. وفور كشف الموقف للقارئ، يتم إقحام حريته فإما أن يختار تحمل المسؤولية وتغيير سلوكه أو أن يصر عليه مع حصوله على إدراك ومعرفة كاملة بما يقوم به. وهذا ممكن فقط على أساس حرية الكاتب والقارئ. لهذا يعد النثر ملتزما بالفطرة ويستوجب ذلك عليه أن يتخذ الحرية الإنسانية محوره. وفي حالة غير مثالية كحالة الرواية المعادية للسامية والتي ستكون مستحيلة الوجود في مجتمع حر لأنها تناقض حالة الكاتب المنادي بحرية الإنسان عبر ما يكتب. عندما تتم المناداة بحرية الإنسان بطريقة صحيحة، يتعاهد الكاتب والقارئ على أن يضيف القارئ للنص بالمقدار الذي يود أن يأخذ منه. وقد توضح هذا بمثال مزرعة الحيوان التي استخدمت صورا رقيقة وقوية ترينا ولكن لا تخبرنا مخاطر الستالينية. وفور الانتهاء من الكتاب، يعود القرار للقراء للكشف عن رسالة الكتاب وعن انطباعهم عنه وقرارهم بالاستمرار على ما هم عليه أو تبني تيار سياسي جديد. ونستخلص من طرح سارتر أنه أزاح الشعر وركز على النثر ولكنه يفرق بينهما وفقا لطريقة تعامل كل منهما مع الكلمات، حيث يعامل الشعر الكلمة كشيء وهذا يجبرنا على تصنيفه مع باقي الفنون بعيدا عن النثر. يرى الشاعر الكلمة كوسيلة للتعبير، كما يرى الموسيقي النوتة والرسام اللون وبهذا فهو لا يتعامل مع المعاني كما يفعل كاتب النثر.

المصادر والمراجع

مصادر رئيسة

Jean-Paul Sartre, What is Literature? , Routledge, Oxfordshire, 1993

George Orwell, Why I Write (collected in Essays), Penguin Books, London, 1994

George Orwell, Animal Farm, http://msxnet.org/orwell/print/animal_farm.pdf

مصادر ثانوية

Anthony Manser, Sartre: A Philosophic Study (hereafter SPS), The Athlone Press, London, 1966

Christopher Hitchens, Why Orwell Matters, The Commonwealth Club, 21/10/02, extract taken from 17 minutes onwards, link: http://www.youtube.com/watch?v=rY5Ste5xRAA

مراجع أخرى

Ion Georgiou, Sartre on Literature, Philosophy Now Magazine, 2009, link: http://philosophynow.org/issues/75/Sartre_on_Literature

Stanford Encyclopaedia of Philosophy entry for Jean-Paul Sartre, 22/04/2004, link: http://plato.stanford.edu/entries/sartre/


Comments


Featured Posts
Recent Posts
Archive
Search By Tags
Follow Us
  • Facebook Basic Square
  • Twitter Basic Square
  • Google+ Basic Square

@2017 Shahd I. Abunahl

bottom of page