قصة ساعة (الترجمة الثانية)
هذه ترجمة ثانية لقصة الكاتبة (كيت شوبين) بعنوان "قصة ساعة" باستخدام نظرية التوطين domestication والتي تقتضي توطين كل العناصر اللغوية والثقافية في النص لتناسب ثقافة ولغة القارىء.
*******
عانت أم أحمد دوما من مشاكل في القلب، لذلك وبكل ما يمكن من حيطة وحذر، أخبروها أن زوجها توفي. كانت أختها الصغيرة ليلى من أخبرها. تلعثمت ليلى ثم رتبت بضع كلمات تكشف لأم احمد حقيقة وفاة زوجها.
في حين كان أبو فوزي صديق السيد أبو أحمد هو من قرأ خبر حادث باص "الكوستر" في الصحيفة، كان الباص ممتلئ بضعف العدد المسموح من الركاب، وحصل وانفجر الإطار الأمامي وفقد السائق السيطرة، كان حادثا صعبا قضى الكثير فيه نحبهم. في خاتمة أسماء الوفيات المنشورة وبعد صور الأشلاء والدماء التي تنشرها الصحف لجذب القراء، كان يقبع اسم صبحي أبو راجي. حاول أبو فوزي جهده التأكد من صحة الخبر، ومن ثم كأي صديق محب ومخلص اجتهد في إيصال الخبر الحزين بنفسه وتعهد بأن يتكفل بغداء الميت على حسابه.
لم تُتعب أم أحمد – أو أم احْمَد كما ينادونها هنا- نفسها بسماع القصة المؤلمة لحادث الباص كما فعلت باقي النسوة بانتباه شديد ورغبة كبيرة لإضافة تفاصيل تجعل من القصة ملحمة دامية. ببساطة، لقد شلت قدرتها على الاستيعاب. على أنها انتحبت فجأة وانهارت في حضن أختها ولما هدأت عاصفة الحزن تلك، غادرت إلى غرفتها وحيدة.
غزاها تعب شديد، جعلها تسترخي بجسدها على الكرسي مقابل النافذة. كان هذا التعب يجد طريقه لروحها أيضا.
تتيح لها النافذة رؤية المساحة الترابية الوحيدة الناجية من هوس العمران في حي أم السماق. تتجلى لها براعم "رجل الحمامة" اليانعة وورداتها الصغيرة البيضاء وهي تسلم نفسها لدفء الشمس وعفوية الربيع القادم. تصل لأنفها رائحة "الزعتمانة " التي تزداد قوة بعد كل "شتوة". وتسمع البائع المتجول وهو ينادي على بضاعته التي يلفها "ببكقجة" قطنية ضخمة. كما ابتسمت لصوت العصفور الصغير الذي يسكن أباجور النافذة. .
رفعت رأسها قليلا نحو السماء، كانت السحب قد تكومت فوق بعضها وتظهر زرقة السماء من بينها بخجل. رمت برأسها للوراء، دون أن يكون لشعورها في تلك اللحظة اسم محدد. تنهدت وارتجف جسدها كما يرتجف الطفل بكاء ورجاء كي يستطيع معاودة النوم.
2
كانت أم أحمد ثلاثينية بوجه هادئ القسمات أو بارد كما كان المرحوم يقول، على أن ملامحها لا تخلو من قوة ولكن الآن؛ لا تنبئ نظراتها التي تلحق بقطع السماء الزرقاء سوى بالسأم، لأنها كانت، قبل هذه اللحظات على الأقل، تشعر حقا به. إنها نظرة تشي بفكرة تفرض نفسها وتحاول هي أن تنفضها عنها.
كانت كمن ينتظر شيئا بخوف، ماذا كان هذا الشيء؟ لم تكن تعلم. لقد كان حتما شيئا عصيا على التعريف والتسمية. ولكنها كانت تشعر به في عظمها، آتيا من السماء، مقتربا منها عبر الأصوات والروائح والألوان.
لقد بدأت تدرك هذا الشيء الذي يحاول الوصول إلى روحها، بدأت تحاول صده ومقاومته حتى بيديها اللاتي أتعبها الكلور وسائل التنظيف.
هربت من شفتيها الكلمات " حرية.. معقول؟ .. حرية؟" قالت؛ هي تلتقط أنفاسها وفرّت نظرة الرعب التي كانت تغزو عيونها.
ولم تتوقف عن سؤال نفسها عن مصدر هذه البهجة التي سكنتها فجأة. لقد منعها شعور سام وصاف من التفكير في أي احتمالات أخرى. عرفت أنها ستنتحب مجددا حينما ترى يديه يلفهما الموت. الوجه الذي لم ينظر لها سوى بود يقف الآن في حضرة الموت رماديا باردا خاليا من كل شعور. ولكنها أدركت أن بعد هذه اللحظات المرة هنالك سنوات طويلة لها وحدها، حينها ارتفعت ذراعاها نحو الفضاء مستقبلة عمرها الجديد.
لن يكون عليها تسخير حياتها من أجل إنسان آخر عدا نفسها. الآن، لن تستطيع أي قوة أن تفرض عليها ذات الوجود الأعمى الذي يقود سائر النساء هنا. في لحظة ما، بدا لها التفكير في هذا الاحتمال جريمة تستحق أن ترجم عليها.
ولكنها أحبته، حسنا في أغلب الأوقات لم تفعل. ولكن هذا لم يعد مهما الآن. ماذا سيجدي الحب، ذلك اللغز الغامض، أمام ما شعرت به إزاء القيد الذي كان مفروضا عليها طوال السنوات الماضية.
"حرية.. حرية .. " ظلت تهمس.
كانت ليلى راكعة عند الباب المغلق واضعة شفاهها عند ثقب المفتاح " فوزية، افتحي الباب، بترجاك افتحي.. تعمليش بحالك هيك "
"بعملش بحالي اشي ايه" .. كانت أبعد ما يكون عن إيذاء الذات، لقد كانت تتشرب إكسير الحياة القادم من النافذة.
عبرت على خاطرها كل الأيام القادمة، الربيع والصيف، كله لن يكون سوى لها، ولها وحدها. صلت لله وتوسلت بالرسول أن تكون حياتها طويلة. في البارحة فحسب أرعبتها فكرة أن الحياة قد تطول أكثر وأن أيامها ستكون نسخة واحدة من التنظيف والطبخ وزيارة أقارب أبو أحمد.
نهضت وفتحت الباب لأختها، كان في عيونها دفء وبريق وتحرك جسدها على نحو عفوي لم تعرفه منذ سنين. رافقت أختها ونزلتا الدرج، كان أبو فوزي ينتظرهما في صالون الضيوف وترافقه زوجته أم فوزي تندب على عمر المرحوم وشبابه الضائع كما جرت العادة.
أدار أحدهم المفتاح في الباب وفتحه، كان السيد صبحي أبو راجي، باديا عليه تعب السفر، قابضا على كيسي موز وبرتقال جلبهمها معه من الغور. لقد كان بعيدا عن الحادث ولم يكن يعرف به أصلا. وقف مذهولا من بكاء ليلى ومن دهشة أبو فوزي ورعب أم فوزي واستعاذتها من الشيطان. ولكن لم يكن الوقت قد أسعف أم احْمَد، فعندما وصل الأطباء أخيرا، قالوا أن الفرحة قتلتها.
























Comments