نصوص عن الوحدة، أوليفيا لينج
في كتابها "المدينة المتوحدة" وهي دراسة للعزلة في الشخصية الحضرية تدرج لينج عدة تساؤلات حول ماهية العزلة وشكلها في المدينة. أوليفيا هي كاتبة وناقدة كتبت في العلاقات والفن والترحال وصدر لها إلى الآن ثلاث كتب.

الكثير من الأمور قد احترقت داخلي واندثرت، ليس كفرد فحسب إنما كإنسان يعيش في هذا العصر الذي أشبه ما يكون بالفسيفساء. ما الذي أعنيه أن أكون وحيدا؟ كيف نحيا إن لم نكن نأنس بارتباطنا مع إنسان آخر؟ وكيف بنا أن نتواصل مع هذا الآخر إن كان الكلام أمرا شاقا وصعبا؟ هل يكمن الخلاص من الوحدة في الجنس؟ إن كان كذلك، فما الذي يحصل إن انحرفت أجسادنا عن المقياس، ماذا يحصل لو دمرت؟ وما الحل إن كنا مرضى أو محرمون من الجمال؟ هل تفيد التكنولوجيا في مثل هذه الأمور؟ هل قربتنا من بعضنا أم أنها سجنتنا خلف الشاشات؟
*****
تخيل نفسك ليلا أمام نافذة في الطابق السادس أو السابع عشر أو حتى الثالث والأربعين من مبنى شاهق. تتكشف المدينة من هذا العلو وتبدو كما لو كانت مجموعة خلايا متلاصقة. مئات وآلاف النوافذ، بعضها معتم والآخر مضاء. في الداخل، أناس يهرعون ذهابا وإيابا، يؤدون أعمالهم. إنها أمور شديدة الاعتيادية، تراها ليلا في أي مدينة حول العالم، تعكس أقصى حالات الوحدة. إنه خليط رهيب من الفرقة والانكشاف على الآخر.
بوسعك الشعور بالوحدة في أي مكان، ولكن الوحدة التي تبثها المدينة فيك مختلفة، وحدة وأنت محاط بملايين البشر. قد يظن المر أن هذه المدينة تناقض أسلوب الحياة المدنية والوجود الكثيف للبشر. على أن القرب المادي المحض لا يبدد العزلة الجوانية للنفس. إنه من الممكن، لا بل من السهل، أن تشعر بالتعاسة والبؤس وأن تعيش مع الآخرين، جنبا إلى جنب. يمكن للمدن أن تكون أكثر البقاع وحشة، وعندما نقر بذلك سندرك أن الوحدة لا تعني بالضرورة عزلة مادية إنما غياب للتواصل الحقيقي والقرب. لسبب أو لأخر، الوحدة: هي انعدام القدرة على الشعور بالحميمية والألفة بالقدر الذي نحتاج ونرغب. والحزن؛ نتيجة فقدان الأنس برفقة الآخرين. وكما تعلم، قد يبلغ هذا الشعور مجده حتى وأنت محاط بالحشود.
*****
الوحدة عصية على الاعتراف، صعبة التصنيف. كالاكتئاب، حالة متقاطعة ومتشابكة قابعة في أعمق أعماق الذات. يمكن للوحدة أن تكون عابرة، تتداخل وانفعالات أخرى لظروف خارجية؛ كالوحدة التي تتبع فقدان شخص عزيز مثلا.
كالاكتئاب، أو كالميلانخوليا. إنها كالمرض، تستحق أن تعامل كالمرض. لقد قيل أن الوحدة لا تخدم أي هدف أو غرض، أي أنها بلا معنى. ربما أكون مخطئة ولكني لا أعتقد بوجود أي تجربة إنسانية نتشاركها جميعا نحن البشر إلا وكان لها معنى وقيمة.























Comments