top of page

رسالة كافكا لوالده.. عن ندوب الطفولة التي لا تمحى

Dec 8, 2017
3 min read

في رسالة مشحونة بالعواطف يصف كافكا علاقته التأزمية مع والده؛ فلطالما كانت علاقتهما جرحا يؤلم روح كافكا ويؤرقها. كافكا كاتب تشيكي يهودي، كتب بالألمانية ويعد أحد رواد الكتابة الكابوسية، وأحد أفضل كتاب القصة القصيرة. له في القصة " تأمل" "الطبيب الريفي" "فنان جوع" وله في الرواية "المسخ" "القضية" وقد جمعت أعماله إضافة لرسائله الغرامية والعائلية ومنها هذه الرسالة إلى والده: "والدي العزيز،

كنت قد سألتني لمَ أظل خائفا منك على الدوام، وكعادتي لم أكن قادرا على إجابتك .. إنّ الإجابة على تساؤلك تعني الخوض في أعماق هذا الخوف بطريقةٍ يصعب عليّ سردها. وحتى إنْ حاولتُ منحك إجابة هنا عبر الكتابة فستبقى ناقصة. هذا الخوفُ الذي يسحقني في علاقتي معك يتجاوز حدودَ ذاكرتي بل وقدرتي على التبرير.

بالنسبة لك لطالما بدا الأمر بسيطا؛ فقد تحدثتَ عنه أمامي وأمام الكثيرين غيري. لم يكن يعدو الآتي: لقد كدحتَ طوال حياتك، ضحيت بكل شيء من أجل عائلتك وأطفالك وأنا .. عشت ثريا.. وسيما .. وحرا كفاية لأتعلم ما أرغبُ أنا بتعلمه وبقيت بعيدا عن أي همٍ قد يعكر صفو حياتي. لم تطالبنا نحن أطفالك بردّ الجميل، كل ما أردتَه هو إظهار بعض الطاعة والود. بينما اختبأت أنا دوما منك، في غرفتي وبين كتبي، برفقة أصدقائي أو مطاردا أفكاري المجنونة. هكذا تراني أنت. وعلى الرغم من أنك لم تنعتني بالوقاحة والفساد إلا انك وصمتني بالبرود والجفاء والجحود كما لو كان ذلك ذنبي وحدي، كما لو كنت أمتلكُ القدرة على تغيير كل شيء بلمسة سحرية. وأنت.. لم يطلكَ أيّ لوم سوى إحسانك إليّ.

هكذا تراني، ملوما بمقدار براءتك من الجفاء الذي يغزو علاقتنا. إن كنتُ قد نجحتُ في إيصال هذه الفكرة لك فإنّه من الممكن لنا سويا الحصول لا على حياة جديدة بل على قليل من السلام والصلة دون سيل عتابك الذي لا ينتهي.

لطالما كنا مختلفين، وفي اختلافنا هذا تكمن استحالة علاقتنا؛ حتى أنّه قد يخيل للمرء إنْ نحن حاولنا الاجتماع معا – أنا الطفل الصغير وأنتَ الرجل الناضج- فإنك حتما ستسحقني تحت أقدامك حتى لا يتبقى مني شيء. من غير الممكن الجمع بين أمرين على قيد الحياة ذلك أنّه لا بد أن يسحق أحدهما الآخر. وما حصل بيننا كان أسوء من ذلك. وإنّي أرجو ألا تنسى للحظة أني لا أؤمن بأن الذنب ذنبك وحدك. كان الانطباع الذي غرسته فيّ لا يد لك في منع وجوده. إنّ عليك التوقف عن اعتبار موقفي منك حقدا دفينا ناتجا عن انطباعك ذاك.

كنتُ طفلا شديد الخجل، ومتأكدٌ أني كنت عنيدا كبقية الأطفال. ومتأكدٌ أيضا أنّ أمي دللتني كثيرا. ولكني لا أستطيع تصديق أني كنت طفلا يصعب السيطرة عليه. لا أستطيع تخيل أن كلمة طيبة ونظرة حنونة لا تستطيع جعلي أفعل ما ترغبون برضى.

وأنتَ لم تكن حنونا البتة، لم تكن ذا قلب عطوف؛ وما يأتي لن يتناقض مع كلامي أعلاه حيث أنه محض انطباع طفوليّ. على أية حال، لا يمتلك جميع الأطفال القدرة والشجاعة على نبش الحب الذي يرزح تحت قشرة الجمود تلك. يمكنك أن تعامل الطفل بالشكل الذي تريد، بعنف وبحدة، بصوت عال وقسوة وفي هذه الحالة يبدو لك الأمر صفقة رابحة للغاية، لأنك أردت أن تصنع مني ولدا قويا وشجاعا.

لقد أطعتُ وأذعنت بعدها، ولكنّ هذا أورثني ألما داخليّا لا يوصف، والذي كان بالنّسبة لي رعبا متواصلا يعيش معي. رعبا من ألقى خارجا أنا وطبيعتي التي لم تكن أبدا لتلتقي وطبيعتك. لسنواتٍ عديدة عانيت من فكرة أنّ ذلك الرجل الضخم، والدي.. الجبّار صاحب القوة المطلقة سيأتي ودون سبب يذكر لينتشلني من سريري ويلقيني في الشرفة وحيدا وشبه عار وكأنه يؤكد لي على أني لا أعني له شيئا البتة.

ما كنت أحتاجه حقا هو القليل من التشجيع فقط، القليل من الود. أن تفتح لي الطريق الذي سددته أنت – رغم نواياك الطيبة بالطبع لجعلي أسلك طريقا غيره. لكني لم أكن مناسبا لطرقك.. في ذلك الوقت وفي كل وقت كنت بحاجة تشجيعك.

لقد كافحتَ في حياتك وحيدا ولهذا تمتلك ثقة لا حدود لها في رأيك. كان هذا يبهرني كطفل صغير وشاب. من على كرسيك تحكم العالم –هكذا رأيتك- نظرتك الثاقبة ورأيك السديد وحده وكل ما عداه لا يتعدى كونه حمقا وتهورا.

كانت ثقتك عظيمة للحد الذي لم تحتج يوما لإثبات مدى صواب رأيك. وكان يصدف ألا تملك رأيا في مسألة ما ونتيجة لذلك تكون كل الآراء خاطئة دون استثناء.

كنا على سبيل المثال سنعتقل من قبل التشيك ومن ثم الألمان ومن ثم اليهود وفي كل مرة كنت أنت وحدك الذي تذهب. بالنسبة لي؛ بدا الأمر مبهما كيف أن كل الطغاة والمستبدين يستاقون "حقوقهم" من شخصياتهم لا من أسبابهم ومنطقهم.

كل تلك الأفكار تبدو بعيدة عنك أعلم. إنها فقط بداياتي المرهقة مع أحكامك التحقيرية وكان من المستحيل أن يدوم هذا؛ مع وجود كل تلك الأفكار.

Comments


Featured Posts
Recent Posts
Archive
Search By Tags
Follow Us
  • Facebook Basic Square
  • Twitter Basic Square
  • Google+ Basic Square

@2017 Shahd I. Abunahl

bottom of page